الشيخ مهدي الفتلاوي

42

نهج الخلاص

يتعمّد كذبا ، وهو في يده يرويه ويعمل به ، ويقول أنا سمعته من رسول الله ، فلو علم المسلمون أنّه وهم لم يقبلوا ، ولو علم هو أنّه وهم لرفضه . ورجل ثالث سمع من رسول الله شيئا أمر به ، ثمّ نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه نهى عن شيء ، ثمّ أمر به وهو لا يعلم ، حفظ المنسوخ ولم يحفظ النّاسخ ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه ، ولو علم المسلمون أنّه منسوخ لرفضوه . ورجل رابع لم يكذب على الله ولا على الرسول ، بغضا للكذب وتخوّفا من الله وتعظيما لرسوله ولم يوهم ، بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به كما سمعه ، ولم يزد فيه ولم ينقص ، وحفظ النّاسخ من المنسوخ ، فعمل بالنّاسخ ورفض المنسوخ . وإنّ أمر رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلم ونهيه مثل القرآن ناسخ ومنسوخ ، وعامّ ، وخاصّ ، ومحكم ومتشابه ، وقد كان يكون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم الكلام له وجهان ، كلام خاصّ وكلام عام مثل القرآن ، يسمعه من لا يعرف ما عنى الله ، وما عنى به رسول الله « 1 » ، وليس كلّ أصحاب رسول اللّه كان يسأله فيفهم ، وكان منهم من يسأله ولا يستفهم ، حتّى إن كانوا يحبّون أن يجيء الطّاري والأعرابيّ فيسأل رسول اللّه حتّى يسمعوا منه ، وكنت أدخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم كلّ يوم دخلة وكلّ ليلة دخلة ، فيخليني فيها أدور معه حيث دار ، وقد علم أصحاب رسول اللّه أنّه لم يكن يصنع ذلك بأحد غيري ، وربّما كان ذلك في منزلي ، فإذا دخلت عليه في بعض منازله خلا بي وأقام نساءه فلم يبق غيري وغيره ، وإذا أتاني للخلوة في بيتي لم تقم من عندنا فاطمة ، ولا أحد من ابنيّ ، إذا أسأله أجابني ، وإذا سكتّ أو نفدت مسائلي ابتدأني . فما نزلت عليه آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها عليّ فكتبتها بخطّي ، ودعا اللّه أن يفهمني إيّاها ويحفّظني ، فما نسيت آية من كتاب اللّه منذ حفظتها ، وعلّمني تأويلها فحفظته ، وأملاه عليّ فكتبته ، وما ترك

--> ( 1 ) في بحار الأنوار : وقال اللّه عز وجل : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ سورة الحشر : 7 ] ، فيشتبه على من لا يعرف ولم يدر ما عنى اللّه به ورسوله .